كُتّاب الجريدة

المزيد في حوارات

قيم هذا المقال

0
الرئيسية | حوارات | رضا الهمادي: عجز الحكومة عن فتح الاوراش الكبرى للإصلاح، لهو تعبير منها عن افتقادها الشجاعة السياسية اللازمة لاقتحام معاقل الريع و الفساد

رضا الهمادي: عجز الحكومة عن فتح الاوراش الكبرى للإصلاح، لهو تعبير منها عن افتقادها الشجاعة السياسية اللازمة لاقتحام معاقل الريع و الفساد

image

 

هو مستشار و محلل اقتصادي رصين، شاب في الثلاثين من عمره سلطت عليه الاضواء بعد تأسيسه رفقة العديد من الاكاديميين الشباب مرصدا للسياسات العمومية. يعترف بأن صراحته و آراءه جلبا عليه الكثير من المتاعب.  في هذا الحوار المطول يشرِّح لنا رضا الهمادي، رئيس المرصد المغربي للسياسات العمومية و الكاتب العام لمنتدى الأطر الشابة الديمقراطية الوضعية السياسية و الإقتصادية الحالية و يحاول جهده أن يقنعنا أن الحل يكمن في إنتاج طبقة جديدة من النخب الشابة. و هو ما يقول أنه كان سببا وحيدا لدخوله غمار السياسة في صفوف حزب الأصالة و المعاصرة.

رضا الهمادي

رئيس المرصد المغربي للسياسات العمومية

كاتب عام لمنتدى الاطر الشابة الديمقراطية

مستشار اقتصادي و باحث في السياسات العمومية

س: اين وصل العمل الذي يقوم به المرصد المغربي للسياسات العمومية؟

ج: بعد صدور التقرير الذي قام بتقييم حصيلة نصف ولاية حكومة بنكيران.  ينكب المرصد الآن على إعداد تقريره نصف السنوي الذي سيقوم برصد و تقييم السياسات العمومية القطاعية للنصف الاول لهذه السنة. هناك 12 خلية عمل تقوم برصد كل كبيرة و صغيرة في مختلف القطاعات الإقتصادية و الإجتماعية وفق مقاربة جديدة غير مسبوقة بالمغرب. لقد قامت اللجنة العلمية للمرصد بإعداد تصور و منهجية جديدة لرصد السياسات العمومية توافق بين الرصد الماتيماتيكي الإحصائي و بين ملاحظة المؤشرات الكيفية  التي لا يمكن تقييمها عدديا. تعمد منهجيتنا في الرصد على التمييز بين التطور العددي للأرقام و بين التأثير المباشر لهذه الارقام على محيطها.  كما ينكب فريق آخر من خبراء المرصد على إعداد تصور يبين الكيفية التي يمكن بها للبرلمان المغربي أن يقوم بتقييم و تتبع السياسات العمومية. كلنا نعرف ان دستور 2011 منح للبرلمان هذا الدور، لكن لا أحد يعرف لحد الآن كيفية تفعيل هذا الدور او الطريقة التي سيقوم بها البرلمان المغربي بتتبع و مراقبة هذه السياسات و هو ما يشكل عطبا دستوريا وجب علينا إصلاحه و تجاوزه في أقرب الآجال.

س: ألا تعتقدون أن المرصد يريد لعب دور أكبر منه، خصوصا أنه هيئة جديدة على المشهد السياسي و الإقتصادي المغربي؟

ج: قطعا لا. أولا: المرصد ما هو إلا منظمة غير حكومية تهدف إلى إغناء النقاش العمومي حول السياسات العمومية معتمدة على منهج علمي صارم متقيد بأدبيات العلوم السياسية و الإقتصادية. المرصد مشروع أكاديمي بامتياز غايته ضمان تتبع الوضعية الماكر واقتصادية و الاجتماعية لبلادنا. حتى الآن، أحكام و استنتاجات كل أعمال تقييم ومتابعة العمل العمومي تفقد مصداقيتها بفعل غياب الموضوعية الذي يطبعها، كما أن الانتماء ات السياسية تزيد في تكريس هذا الطرح. من هنا تلح ضرورة تأسيس مركز للدراسات يأخذ على عاتقه مهمة التقييم اعتمادا على مبادئ و مناهج عمل علمية.

ثانيا: بإمكان المرصد لعب دور رافعة للنقاش السياسي في السياسات العمومية و هو يتوفر على الإمكانات البشرية اللازمة للعب هذا الدور. فهو يضم اكثر من 60 إطارا و باحثا  أكاديميا من المستوى العالي يشتغلون بشكل يومي و يقومون بعمل كبير لتحسيس الفاعل السياسي و الإقتصادي و الإجتماعي و مواكبته حتى يكون اكثر فاعلية و اكثر مردودية. و لحد الآن هناك الكثير من الفاعلين السياسيين و الإقتصاديين ممن وضعوا ثقتهم في أطر المرصد المغربي للسياسات العمومية. يقوم المرصد بتتبعهم بشكل يومي. كما يقوم المرصد بتكوين عدد كبير من الاطر الشابة ممن يحضرون ندواته و انشطته بشكل متواتر.

س: الملاحظ أنكم تسجلون العديد من المؤاخذات على الفاعل السياسي ببلادنا، لماذا؟

ج: الفاعل السياسي ببلادنا ظل شاردا عن النص و منقطعا عن التغيرات المتسارعة. لقد عرفت الساحة السياسية المغربية فراغا مهولا و غيابا تاما للنخب الحزبية على مدار العقود الماضية، وازاه ذلك إنزال غير مسبوق للأعيان و تجار الانتخابات. كان لهذا التغيير البنيوي أثر بالغ في إفراغ النقاش السياسي من محتواه، إذ تحول المعترك السياسي إلى سوق كبير تلتقي فيه أحزاب بتركيبة قروية و اقتصر مفهوم السياسة على الصراع الانتخابي الضيق لطبقة الأعيان. و شكل أخد الأعيان بزمام الحقل السياسي كارثة بكل المقاييس. إذ أدى إلى  تبسيط النقاش السياسي و إسقاطه في الحضيض ثم في لخبطة الحقل الحزبي و إسقاطه في الشعبوية و الإسفاف الأكثر ابتذالا. كما أدى عدم توازن القوى داخل الأحزاب إلى ترجيح كفة الأعيان و نفور النخب السياسية الحقيقية من الأحزاب و هو ما هبط بالإنتاج الفكري و السياسي داخل الأحزاب إلى الصفر. بل تحول مجمل الناتج الفكري في المجال السياسي إلى مدرجات الجامعات و إلى المجتمع المدني الذي عرف فورة جمعوية في السنوات الأخيرة.

س (مقاطعا): ألا ترون أنكم متحاملون كثيرا على الفاعلين السياسيين ببلادنا؟

ج (ضاحكا): ربما، لكن ألا ترون أن الساحة السياسية مليئة بكل ما يثير سخط و تبرم الملاحظين؟ فلنأخذ مثالا عن البرامج الانتخابية للأحزاب التي تبقى خير مثال لتسجيل التقهقر المعرفي الذي سجله الفاعل السياسي و الذي ينعكس سلبا على العملية السياسية برمتها. أولا : تسمية البرنامج الانتخابي تحيلنا على موسمية السياسة ببلادنا و اقترانها بالانتخابات، ثانيا:  جل الأحزاب ،تطلع علينا ببرامج سطحية هاوية بعيدة عن السياق الاجتماعي و الاقتصادي و السياسي. بل هناك من الأحزاب من اكتفى بتحرير برنامج عمل شامل في اقل من 40 صفحة. مما يحيل إلى اقتصار أحزابنا إلى أطر و نخب بإمكانها إبداع برامج حقيقية مدججة بالأرقام و الدراسات. فسقطت جل البرامج في الشعارات التي تمس نقط ضعف المواطنين ( التشغيل – الخدمات الاجتماعية – الرخاء الاقتصادي …). يطرح " الفقر المعرفي " لأحزابنا نقط استفهام كبيرة. فكيف لحزب يفتقد للكفاءات القادرة على إعداد تصور مجتمعي و اقتصادي للمرحلة القادمة أن يدعي قدرته على التموقع في المسؤولية؟ و كيف لأحزاب احترفت السطو على التقارير الاقتصادية و تبني مشاريع ملكية ( تقرير الخمسينية) أن تدعي توفرها على أطر و نخب و هي عاجزة عن الإنتاج الفكري الحقيقي؟ و كيف لأحزاب أن تضمن برامجها قرارات فلكلورية و خرافية من قبيل رفع الحد الأدنى الأجور إلى 4000 درهم في الظرفية الاقتصادية القادمة التي ستعرف كسادا اقتصاديا حقيقيا أن تدعي قدرتها على إدارة البلاد و هي لم تنجح حتى في تحرير تقرير من 40 صفحة؟ و كيف لحزب يستورد برنامج عمل من مركز أبحاث فرنسي بعيد عن الواقع المغربي أن يواجه المواطنين و يقنعهم بجدوى تحمله المسؤولية؟ ثم كيف لحزب يعجز عن ضمان استمرارية لتوجهاته الإقتصادية أن يقنع المغاربة بقدرته على تحمل المسؤولية؟ 

س: حسبك حسبك، ألا توجد نقط ضوء في المشهد السياسي ببلادنا؟

ج: طبعا هناك العديد من نقط الضوء، أولا: لقد بدأ الفاعل السياسي يستوعب الأهمية التي يمثلها التوفر على قوة شابة مثقفة و مكونة بشكل جيد. فبعد الحراك الشبابي الفبرايري  و تواتر الحديث عن مصالحة الشباب مع الفعل السياسي حاولت كل الأحزاب الاستنجاد بشبيباتها. ثانيا: تقوم معظم التنظيمات السياسية الكبرى بمحاولات منفردة للنهوض بالإنتاج الفكري داخل هذه التنظيمات. رغم أنها محاولات خجولة إلا أنها قد تصبح موضة في المستقبل و هو ما سيساهم في الحد من الشعبوية و البلطجة السياسية التي استشرت مؤخرا و التي هي مجرد آفة عابرة بمشهدنا السياسي. و الأهم من هذا أن المقارعة بين برامج الاحزاب بدت تترسخ على المستوى الإقتصادي بتضاد مجموعة من التصورات الإقتصادية عوضا عن الإكتفاء برفض او قبول إجراءات اقتصادية معينة. 

س: جيد، هذا ما يحملنا إلى الحديث عن الوضعية الإقتصادية الحالية، كيف ترونها؟ و كيف تقيمون عمل الحكومة في المجال الإقتصادي؟

لقد أبان التدبير الحكومي الحالي في المجال الاقتصادي عن اختلالات عميقة وتهديدات ومخاطر هيكلية ، أهمها ضعف التحكم في المؤشرات الاقتصادية و اختلال التوازنات الماكرو اقتصادية نتيجة الظرفية الاقتصادية العالمية الصعبة. كما تميزت الظرفية الاقتصادية بضعف معدل النمو الذي يبقى دون معدل النمو المسطر في البرنامج الانتخابي للحزب الذي يقود الحكومة ( 7 % على امتداد 5 سنوات) و كذا دون توقعات النمو في البرنامج الحكومي ( 5.5 % على امتداد الولاية الحكومية).  كما تفاقم عجز الميزانية الذي تجاوز 6%، وسجلت زيادة طلب الاقتصاد الوطني على التمويلات الداخلية والخارجية، مما أثر سلبا على الاقتصاد الوطني الذي أصبح يتسم بضعف القدرة التنافسية والإنتاجية و على التمويل.

لقد سجل بأسف المقاربة البيروقراطية التي خرج بها قانون المالية، بدون مشاورات ولا نقاش عوضا عن المقاربة السياسية التفاوضية بين مكونات الحكومة وبينها وبين المجتمع المدني. و قد ارغمت السنة البيضاء التي عاشتها الحكومة سياسيا الحكومة على إعداد قانون متشبع بالروح التكنوقراطية.

س: لكن هي وضعية فرضت على الحكومة بفعل انسحاب مكون من مكوناتها

نعم، لكن هذا لا يعني أن الحكومة كانت في الموعد حين تسنى لها ذلك! بدأ بالموارد الضريبية التي تعرف انخفاضا مستمرا، لا نلمح في الأفق أي إصلاح ضريبي من شأنه أن يعيد الحياة لهذا النظام، و يعطيه إمكانية لتغذية الخزينة، وهنا نستحضر نسبة تغطية نفقات الميزانية العامة بالمداخيل الضريبية و التي انخفضت إلى 59 % في القانون المالي 2014 ، وهو شيء خطير، ينبئ على أن الأزمة أمامنا بنيوية بالأساس وليست ظرفية لكون مداخيل الضريبة التي من الضروري أن تغطي أكثر من 80% في بلد مثل المغرب الذي لا يتوفر على موارد نفطية.  و بالتالي عندما تعجز هذه الموارد على تغطية أكثر من 60% أو 70%، هذا يعني أن 30% سيتم البحث عنها في شكل قروض، ومن هنا يتضح أن اللاتوازن سيستمر لعدة سنوات. إن عجز الحكومة عن فتح الاوراش الكبرى للإصلاح، لهو تعبير منها عن افتقادها الشجاعة السياسية اللازمة لاقتحام معاقل الريع و الفساد، ففي غياب  إصلاح ضريبي قادر على الرفع من مداخيل الدولة، و الحفاظ على القدرة الشرائية للطبقة الوسطى والشرائح التي تشكو من الهشاشة الاقتصادية، اقتصر قانون المالية ل 2014 على تضريب الفلاحين الكبار بطريقة غير عادلة بتاتا كونه يمس فقط العشرات من المقاولات والشركات الفلاحية الكبيرة. وهو ما يبين بالملموس نجاح هذه اللوبيات في الضغط على الحكومة لتمديد إعفاءها إلى 2020 في حين كان نصيب الفئات الشعبية والأجراء والموظفين الذين يتحملون الجزء الأكبر من الضرائب، تحميلهم المزيد من العبء، وذلك بالرفع من الضريبة على القيمة المضافة، والتي ستنعكس على القدرة الشرائية أوتوماتيكيا بالزيادة في اسعار العديد من المواد الأساسية.

س: ألا تظنون أن الحكومة مضت قدما في إصلاح صناديق المقاصة و صناديق التقاعد و هو ما جعلها في وضعية مريحة أمام المواطنين؟

بخصوص إصلاح صناديق التقاعد، اكتفت الحكومة بخطة إجرائية تقتصر على الرفع من مساهمات الأجراء في صناديق التقاعد، وهو ما يعني انخفاض ما يتلقونه نهاية كل شهر كأجور، ثم الرفع من سن التقاعد تدريجيا ليصل إلى 65 سنة، ثم تخفيض قيمة معاشات التقاعد. و هي مجرد إجراء ات ستمكن من ربح ثماني سنوات إضافية قبل العودة إلى حالة الخطر والشروع في استهلاك احتياطيات صناديق التقاعد.

أما صندوق المقاصة ، فقد شكل التراجع عن الإصلاح العميق الذي وعدت به الحكومة مع الاكتفاء بإجراء ات و تكتيكات مرحلية لا تشكل اشتغالا في العمق ولا تخدم القيمة الشرائية للمواطن. و ما التقرير الأخير للصندوق الذي عبر فيه عن عجزه عن التأكد من الفواتير التي يعوضها للشركات المستوردة و افتقاره لآليات و ميكانيزمات ضبط و إحصاء الواردات التي يعوضها الصندوق. و هو ما يعني احتمال تعويض الصندوق لملايير من الدراهم دون أن تكون قد استوردت حقا. للأسف شكل مرور هذا التقرير مرور الكرام صدمة للملاحظ السياسي و عنوانا لغياب التفاعل الحكومي مع مصالح و مؤسسات الدولة.

س: السيد رضا الهمادي نشكركم على تلبية الدعوة، كلمة أخيرة؟

ج: شكرا على الاستضافة. اتوجه بالدعوة إلى الفاعل السياسي لمناقشة الملفات الثقيلة الموضوعة على طاولته عوضا عن الانشغال بالحروب الكلامية و المشاجرات الفارغة البعيدة عن البوليميك السياسي كعلم قائم الذات. و شكرا

 

  • أرسل لصديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نص بسيط نص بسيط

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.